محمد بن علي الشوكاني

5284

الفتح الرباني من فتاوى الإمام الشوكاني

والحاصل أن في الشريعة المطهرة مما لا يمكن تعقل وجه الحكمة فيه ما لا يأتي عليه الحصر ، وانظر هل يدعي مدع ، أو يزعم زاعم أنه يعرف وجه الحكمة في كون حد الزنا مائة جلدة ، وحد القذف ثمانين جلدة ، وحد الشرب أربعين أو ثمانين . فكل عاقل فضلا عن عالم لا يشك ولا يرتاب في بطلان هذه الدعوى ، وكذب هذا الزعم . ولو ذهب ذاهب يتكلم في ذلك لجاء بما يضحك منه كل سامع ، ويسخر منه كل عاقل . وإذا عرفت هذا وتقرر عندك معناه فاعلم أن وجه الحكمة [ 2 أ ] في المؤاخاة هو ظاهر الوجه ، واضح المنزع ، بين السبب ، جلي الفائدة . وليس القول فيه من التكلف لما لا يعلم ، ولا من التقول على الله بما لا حقيقة له ؛ فإن كل عاقل فضلا عن عالم يعرف أن تعاضد الرجلين على أمور المعاش ، وتحصيل ما يكون به السداد من عوز الحاجة له مزيد تأثير على ما يكون من الواحد الفرد ، وهكذا التعاضد على الأمور الدينية ، والتعاون على تحصيلها ، فإن ذلك من الأثر ما لا يخفي على عاقل ، ولهذا أمر الله - سبحانه - به في قوله : { وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى } ( 1 ) وهكذا كل ما ورد في الكتاب والسنة من الندب للعباد إلى التعاضد والتناصر والتعاون ، فإن وجه الحكمة فيه هو من هذا القبيل ، بل لذلك تأثير في التعاضد على مجرد إدارة الرأي والتفاوض فيما ينوب من الأمور كما قال شاعر : ورأيان أحزم من واحد . . . ورأي الثلاثة لا ينقض ومعلوم أن الأخوة ( 2 ) الدينية الكائنة على لسان النبوة المصطفوية الصادرة عن الترجيح المحمدي - عليه أشرف صلاة وأكمل تسليم - يكون لها في قلوب المؤمنين من المواقع ما

--> ( 1 ) [ المائدة : 2 ] . ( 2 ) انظر " فتح الباري " ( 7 / 270 - 271 ) .